الحارث المحاسبي

12

المسائل

وإذا اعتدل في الرخاء ، فرأى أنّ الشدة والرخاء عن قليل سيزولان ، هان عليه من الرخاء النقلة ، وسهل عليه استعمال الشدة ، فرمى بنظره إلى غاية قرب إليها كل بعيد ، وسهل لها عنده كل عسير ، فزايل الأحياء ، وجاور الموتى ، وقبل الموت وما بعده . فإن تكن شدة الموت أول شدته ، هان عليه ما احتمل قبلها . وإن تكن آخر شدته سهل عليها ما يلقى فيها ، لما يصير إليه من طول الراحة . ومما يعينه على الابتداء ، قلة الكلام فيما لا يعنيه ، وإقباله على ما يعنيه ، من طول الصمت على الفكرة . وقد كتب حكيم إلى أخيه : « أطل الصمت على الفكرة تلق الحكمة ، ولا يكن صمتك عن غير فكرة ، فيحل بك العيّ « 1 » ، وإن كان العيّ عن فضول الكلام ، خير من الكلام فيما لا يعني » . الصّمت والفكرة قلت : فما ينبغي أن يصمت عنه ، وفيم ينبغي أن يتكلم ؟ قال : الفكرة ضروب : فضرب منها الإنابة إليه ، والفكر في إنعامه ، فإنّ الفكر اللازم للخلق هو الفكر فيما هم عليه ، أعلى طاعة فيقيمون ، أم على معصية فينتقلون عنها ، فهذه الفكرة اللازمة للخلق . ثم فكرة الموازنة بين الأعمال ، فيوازن بين الشيئين ، فينظر إلى أوزنهما . وفكرة في الأثرة للّه عليه في جميع أمره . وفكرة في التعظيم للّه ، وهو قوله : أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [ الغاشية : 17 ] . يقول : أفلا ينظرون إلى اللّه العظيم بخلقه لهذا الخلق العظيم ، وهذا التدبير المتقن ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فعال حكيم حميد ، أحكم الأشياء بإتقان صنعها ، واستحمد إلى الخلق فيما أنعم عليه به .

--> ( 1 ) العيّ : العجز عن التعبير اللفظي بما يفيد المعنى المقصود .